كان من الطبيعي أن يحدث في لبنان ما حدث خلال الأيام الماضية، فجميع القواعد الأساسية للعبة السياسية العالمية قد نضجت وبدأ وقت التنفيذ. أرجو أن أكون مخطئاً، ولكن المنطقة بأكملها قد دخلت في مرحلة بمفترقين، إما تأجيل مخطط السيطرة الكاملة على المنطقة لسنة كاملة على الأقل لما بعد انتخاب رئيس جديد لأمريكا أو إدخال المجتمعات العربية والإسلامية في غيبوبة لمدة لا تقل عن عشرون عاماً من الآن على أقل تقدير.
لقد نضجت الطبخة السياسية على نار هادئة، وبات المحرك الرئيسي للسياسات الدولية هو الساحة اللبنانية لتصفية حسابات وأيديولوجيات لسنوات قادمة. سأستخدم منهجية "الشك المنطقي" في تتبع ما تم التحضير له خلف الكواليس.
العراق
لا أعتقد بأن الصدفة قد لعبت دورها في اختراق كاميرا هاتف محمول للحواجز الأمنية التي أحاطت بعملية إعدام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين والكشف عن إطلاق "شيعة" لصرخات تهكم على الرئيس العراقي "السني".
ولا أعتقد بأنه كان محض صدفة بأن يتم اختراق الآلة العسكرية الإعلامية للاحتلال الأمريكي للعراق للكشف عن قضايا الاغتصاب والممارسات الوحشية في سجن أبو غريب عن طريق بث صور عن ممارسات المحتل الأمريكي داخل السجن.
كما إنني لا أصدق بأن المحتل الأمريكي يمر بأصعب سنواته في العراق من جراء مقاومته وعدم ترحيب الشعب العراقي به وبأن الجيش الأمريكي يعيش في مستنقع مشابه لفيتنام.
عدم تصديقي بأن هذه جميعها صدف نابع من متابعة نتائج هذه الممارسات التي تصب دائماً في مصلحة المحتل.
فالفتنة "السنية الشيعية التاريخية" قد باتت العنوان الأبرز عند الحديث عن المقاومة أينما وجدت، وأصبح الجميع يبحث عن الأصول "المذهبية" لهذه المقاومة أو تلك عند ظهورها في العراق للدلالة على مرجعيتها "الدينية" واستشراف توجهاتها السياسية وتفريغها من محتواها ومفهومها الوطني.
.
كما أن الشعب الأمريكي وإن قام بتسيير مظاهرات بين الفترة والأخرى فلم يستطع حتى الآن إرغام النظام الأمريكي على اتخاذ قرارات حاسمة بشأن العراق بعكس ما حدث خلال العدوان على فيتنام (والفارق الزمني هنا في فترة الاحتلال لا يهم حيث أنه من المنطق أن تقل الفترة الزمنية للتحرك الشعبي بسبب التقدم التكنولوجي وعدم احتكار الإعلام الأمريكي للحرب فضلاً عن وجود تغيرات اجتماعية ووعي سياسي في العالم أجمع).
.
وأغلب الظن بأن الذين يُقتلون في هجوم المقاومة العراقية هم جنود شركات المرتزقة الذين قدموا إلى العراق ضمن الاتفاقيات العسكرية التي وقعتها الحكومة الأمريكية، لإبقاء أثر أخبار مقتل "جنود أمريكيين" ضمن السياق العام للأمور.
لقد وقع العالم العربي رهينة سياسة محكمة التخطيط بدأت في فلسطين منذ زمن، وعندما عجز المحتل الغربي عن اختراق الشعوب العربية، عمد إلى التوجه إلى العراق، الدولة الناضجة في تلك الفترة.
أما بالنسبة لفضائح سجن أبوغريب، فيتربع "الشرف العربي" على رأس قائمة أولويات المجتمعات العربية، فالشرف متأصل في التاريخ العربي منذ القدم، وكان من الواجب على المحتل الغربي أن يفرّغ العقل العربي من مفهوم الشرف ليتسنى له السيطرة على المجتمعات العربية.
ولكن الشرف العربي يرتبط ارتباطا وثيقا بالدين وبأخلاق المجتمع العربي، لذا وجب على المخطط أن يروّج لمشاهد وصور لرجال ونساء عرب على حد سواء يتم اغتصابهم وتجريدهم من ملابسهم والكشف عن عوراتهم لإشعار المواطن العربي بالعار والخزي وبالتالي تحطيم واحدة من تابوهات وثوابت الامة التي اكتنفتها القدسية في المراحل الزمنية السابقة.
لقد بدأ تحطيم وتفريغ الشعور بالخزي من الشرف العربي منذ زمن، بدأ في فلسطين ولم ينجح، فانتقل إلى العراق، ونجح المحتل للأسف في سلخ مفهوم الخزي من العقل العربي بشكله القومي وربطه بحياته اليومية حتى لا يرى نفسه أو أي فرد من عائلته يوماً ما عارياً أمام المحتل الغربي أو أجهزة أمن الأنظمة العربية، ومثاله الكلاسيكي ذلك الذي طبقته الحكومة المصرية عندما أطلقت سراح الشابة إسراء حيث أنها، والحديث عن إسراء، قد كررت مراراً أمام الكاميرا بأنه لم يتم التعرض لشرفها خلال فترة احتجازها وأن الأجهزة الأمنية وزميلاتها في الزنزانة الواحدة قد تعاملن معها بكل احترام.
.
بعد أن تم كسر الحاجز النفسي الاجتماعي للعار والخزي، كان من الضروري ضرب المرجعية الشرعية للمجتمعات العربية، ألا وهو الدين. فاشتعلت الفتنة بين السنة والشيعة ووصلت إلى كل بيت عربي حتى بات حديث العقلاء عن هذه الفتنة مساوياً لحديث الجهلة عنه. فعلى أرض الواقع، يوجد فتنة وتربص من كل صاحب مذهب ضد المذهب الآخر، ولم يعد هناك جدوى من الحديث عن اشتعال الفتنة في هذا البلد أو ذاك. لقد أصبحت الفتنة المذهبية فكراً واقعاً نعيشه.
لقد تم تفريغ المرجعيات الدينية والاجتماعية من الشعور بالعار والخزي وتضاءلت قواهما أمام المرجعيات المذهبية الجديدة، لذلك نرى توجه بعض الشباب العربي إلى الدين والإيغال فيه وهربهم إلى المرجعيات الدينية الحالية في محاولة منهم للبحث عن فتاو أو مخارج لأفكار بليدة تعج في عقولهم ولا يستطيعون إدراكها بحدسهم الإنساني البحت.
لقد أصبح العقل العربي عبارة عن فقاعة فارغة وتجويف أخرق يستند استناداً كاملاً إلى ما هو مقبول به اجتماعياً وما هو مباح له دينياً ليتسنى له العيش ضمن مجتمعه الضيق.
أما بالنسبة للواقع السياسي، فإن العراق وكما هي فلسطين باتت حقل تجارب يقوم فيها الأمريكي باستقراء الرأي الشعبي العربي من خلال ممارسات جديدة أو قديمة، بدرجات متفاوتة لتمرير أفكار نمطية جديدة وإدراجها كمفاهيم جديدة للعيش "المشترك مع الغرب" في المستقبل العاجل.
أما المآسي "الأخرى" الناتجة عن الاحتلال والممارسات الوحشيه له كتلك المتمثلة في تهجير ملايين العراقيين إلى خارج وطنهم، فلا أحد ينظر إليها إلا تلك الدول التي يعاني اقتصادها من جراء "غزو" المهجّرين العراقيين لها، ولهذا حديث آخر.
لبنان
عاد لبنان إلى الصدارة مرة أخرى بعد توقف دام أكثر من ثلاثة أسابيع. لن أخوض في الأسباب الشرعية للمعارضة في أن تقوم بما قامت به، ولكنني متوجس لما ستؤول إليه الأمور وأولها إظهار الموالاة بمظهر الضحية أمام الرأي العام الدولي. إن المقلق والملفت للنظر هو توقيت "الحكومة اللبنانية" لاتخاذ قرارات تعلم علم اليقين بأنها ستنتج ردة فعل عارمة من المعارضة وبالتحديد من حزب الله.
لنتوقف هنا ولننظر إلى الأمور م
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ